غربال
غربال هو محاولة من
مؤسسة نواة
لحل مشكلة من مشاكل التشتت المعرفي في العالم الحديث، وهي ضخامة عدد
النصوص والمعلومات المتوفرة، بطريقة عشوائية غالبًا، ورقيًا وإلكترونيًا.
اقرأ المزيد
تسجيل الدخول
متاح حاليًا لعدد معين من المستخدمين.
يقول الناقد الأمريكي سفين بركرتز: "إن انفجار المعلومات لم يفعل سوى تدمير الأساس الذي تقوم عليه عملية
الفهم، ومع انشغالنا بالمنظورات المختلفة والمسالك الجانبية للمعلومات
–التي تتمدد بلا توقف في كل الاتجاهات–؛ صرنا نرى أنه ليس من الممكن
تكوين تصورات شاملة، وبدلًا عن ذلك نكرّس طاقتنا لعملية إدارة
المعلومات".
فهناك علاقة وثيقة بين كثرة المعرفة المنتجة في الثقافة المعاصرة وتقلص الفهم والاستيعاب الكلي.
فهناك علاقة وثيقة بين كثرة المعرفة المنتجة في الثقافة المعاصرة وتقلص الفهم والاستيعاب الكلي.
فما أُطْلِق عليه
عصر المعلومات، كان يعني فقط وجود كم هائل من المعلومات حولنا، لكن هذا في حد ذاته
غير مفيد، بل يصبح ضار إن لم يتم تطويعه. فأغلب الناس يتوهون وسط بحر
المعلومات هذا، فإما أن يأخذوا منه ما يصلهم منه فقط، ويكتفوا بهذا، أو
يطلعوا على كم كبير منه عشوائيًا، ويصيبهم هذا بتشتت معرفي، يشل
معرفتهم وأحكامهم، ويقضي على أملهم بالإحاطة بالعلوم وفروع المعرفة
التي يهتمون بها، وربما غلب عليهم الاعتقاد بنسبية الحقيقة بعد ذلك.
ما نزعمه هنا هو شيئين: أنه يمكن حل هذه المشكلة، بنسبة ما، عن
طريق توظيف شيء لم يتم توظيفه بطريقة تقنية من قبل، على حد علمنا، ألا
وهو الشبكة التي كونها كل كاتب وباحث عن النصوص التي قرأها من قبل، وهو
ما نسميه بالغربال. فكل كاتب أو باحث عندما يقدم لنا نص معرفي، فهو
يقدم ثمرة واحدة من ثمرات بحثه، ولكن هناك ثمرة أخرى لا تُقدَّم في
الغالب، وهي معرفته بالكتب الأخرى. ولا نتحدث هنا عن قائمة المراجع
التي اعتمد عليها في بحثه فقط، فالشبكة التي يعرفها أكبر من هذا بكثير.
فهذا النص لا غنى عنه، وهذا يغني عن هذا، والنص س مكافىء للنص ص، ويجب
أن تبدأ بهذا وتنتهي بذلك، وهكذا. فنزعم أن توظيف هذه المعرفة يمكن أن
ينقذنا جميعًا من المأزق الحالي، بل أن توظيفها شيء حتمي في مسيرة
المعرفة، كما سنوضح في الزعم الثاني.
يقول موفق الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي (ت ٦٢٩هـ): "أقل منافع الأستاذ الفاضل أن يدل على الكتاب الصالح والطريق
الصحيح، وهذا من إرشاده أعظم شيء مع قلته وخفة مؤونته،
فلو قال لك الأستاذ: (اشتغل بهذا الكتاب وارفض هذا الكتاب)، فقد
أفادك فائدة جليلة، ونبهك على فضيلة استحق بها منك الشكر على
الأبد، وبهذا المقدار يستحق رئاسة الأستاذية، ويوجب عليك حق التلمذة، ولو
لم يفدك في الكتاب شيئا أصلًا سوى الدلالة عليه لكفى ذلك شرفًا وحقًا
واجبًا".
وكتب أوسكار وايلد (ت ١٩٠٠م) في عام ١٨٨٦م: "إن من سينتخب من فوضى قوائمنا الحديثة ”أسوء مئة كتاب“ سيسدي لجيل
الشباب معروفًا حقيقيًا ودائمًا".
ربما تقول أن هناك كتب ينطبق عليها هذا الوصف، أي أنها تُقدِّم غربال،
ونرد بثلاث نقاط. أن أغلب هذه الكتب يُقدِّم منهجًا فقط وليس غربالًا
كاملًا بالمعنى المقصود هنا. فالغربال، مثلًا، يتضمن الرديء أو
المُستغنَى عنه ليعرف الطالب أن رأي الأستاذ في هذا النص أنه يمكن
تجاوزه، والمناهج لا تُقدِّم هذه المعلومة. والنقطة الثانية هي أن وضع
حل تقني للمشكلة له فوائد أكبر بكثير عن تقديم الغربال في نص ورقي أو
إلكتروني. ومنها القدرة على البحث بسهولة في الغربال قبل أو أثناء شراء
الكتب، وتحديثه بصفه مستمرة، ونسخه من قبل مغربلين أخرين، ومقارنته مع
غرابيل أخرى، وهكذا. والثالثة، أن حتى هذه الكتب يمكن أن تشتت الدارس،
وتحتاج هي أيضًا للغربلة إن كَثُرَ عددها.
الزعم الثاني
هو أن الانتقال إلى مرحلة الغربلة الإلكترونية شيء حتمي. ففي البداية
كانت الشفاهية والاعتماد الكلي على الذاكرة، ثم الكتابة على ما يصعب
نقله وعلى أشياء أقل جودة وملاءمة من الورق، ثم الكتابة على الورق، ثم
الطباعة، ثم النصوص والوسائط الإلكترونية، ثم نصوص مُنتَجه ب"الذكاء
الاصطناعي"، وهذا كله يَنتُج عنه تلقائيًا "انفجار المعلومات"، ثم تأتي
الغربلة كخطوة حتمية بعد كل هذا.
فكمية النصوص المتوفرة حاليًا، والتي لن تتوقف عن الازدياد، تصد
الكثيرين ممن يحاولون الوصول لمعرفة يطمئنون إليها عن أي موضوع علمي.
فتكلفة تفاعل كل فرد على حدى مع هذا الكم من النصوص ومحاولة تمييز
المفيد منها وإدارة كل هذه النصوص، أعلى من عائد هذا التفاعل، بل ربما
يكون ضار كما تقدم.
فيمكننا عن طريق الغربلة الإلكترونية تقليص الوقت الذي يقضيه آلاف من
الناس لمعرفة الجيد من الرديء. فأغلب الناس ليس بوسعهم غربلة كم كبير
من النصوص و لا يعرفون من يمكن أن يرجعوا إليه دائمًا ليسألوه عن نص
ما. ولو كان هناك كاتب أو باحث مشهور يثق الكثيرون فيه، فهو أيضًا يملك
وقت محدود، لا يستطيع فيه الرد على كل الناس. فلكل هذا نقول أن
الغربلة الإلكترونية أمر حتمي.
وربما سيستغرب الناس لاحقًا كيف كنا نعيش في هذا الوضع بدون الغربلة.
فإن كنت قادر على الغربلة، وترى الفائدة من فعل ذلك إلكترونيًا، فغربال
أداة تمكنك من ذلك، سواء أحببت أن تشارك الغرابيل مع الأخرين أو لم
تحب. وإن كان هناك ما يمنعك من الغربلة بنفسك، فغربال سيقدم لك لاحقًا
غرابيل جاهزة تعتمد عليها لدراسة موضوع أو حقل معرفي معين.
تسجيل الدخول
متاح حاليًا لعدد معين من المستخدمين.